عن الكلام المباح..
قصة قصيرة جدا
************
طوال عمري وأنا أكره جدا ضياع الوقت ،بأشياء لاتنفع ،من اللعب مع الاطفال واللهو في ساعة الفراغ ،كنت أحبذ قراءة قصص الاطفال ،والاستماع الى حكايات الجده ،وأعيشها في خيالي، وتزورني في الحلم ،متعة مابعدها متعة ،في اللعب أجد أنني أفقد ذاتي ،حينا أوأفق على شيء غير مقتنع فيه ،ذات ليلة صادف أن زارنا صديق العائلة السيد جهاد وزوجته عزيزة ،ليلا ،وفي الغالب تكون الزيارة ليلة جمعة ،حيث يطول السهر ويصبح أكثر متعة ،وقص علينا السيد جهاد حكاية من حكايات شهرزاد ،أمتعنا فيها ، وتكررت الزيارة ،وفي كل مرة يكمل الجزء الذي توقف عنده ،وكنا ننتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر ،السيد جهاد شخصية جذابة ،فعلا هو تركيبة غريبة من الحب والتفاني ،الابتسامة لاتفارقه ،اما الزوجة عزيزة فكانت نرجسية مقيدة بأحساس الغيرة ،يعجبها لبس الملابس المبهرجة والتي لاتنم عن أدراك واقعي بالعمر ،أحاديثها كانت فارغة تتهكم على النساء الجميلات في الحي ،يبدو ذلك أصله الغيرة على زوجها ،لاسيما بعد أن أحيلت على التقاعد وترهلت ملامح جسدها ،وأعتلت تضاريسها بشكل غير مسبوق ،أقول أنها أمراة عجيبة ،سعادتها الوحيدة تكمن في النيل من كل الذين يختلفون معها ،تعليقاتها الجارحة لاتنقطع طوال حديثها مع أمي بصوت منخفض ،بعض الاحيان تتدخل في حياتنا بدون مناسبة تذكر ،وحين تتحسس شغف المستمع واهتمامه لها وتطمئن الى وقوعه في شراك لسانها ،يصبح النيل من الاخرين مباح وبتلذذ ومتعة ،عندها يتدخل زوجها فينهرها بنكتة يلطف بها الجو فتصمت صاغرة ،فيضحك الجميع ،وينطلق صوت جهاد بسرد الجزء اللاحق من الاسبوع الفائت من القصة ،ياسادة ياكرام ،فنغيب معه في دهاليز شهرزاد الخفية ،بعد ان تركنا كل شيء خلفنا من المهام المدرسية ،وجلسنا بهدوء تحت كرسيه نسترق السمع ،اما انا المغرم بالقصص ذبت تماما بحركات يديه وهي تشير الى رسم الشخصيات ، بعد أن مسحت عيوني الممتلئة بالدهشة والنعاس معا ، وجدتني ساعتها في حالة من الانتشاء المطلق باسلوب سرده الماتع ،كان حديثه يلهب مشاعرنا حين يضيف عليه نوعا من الاثارة التي تنمو بمضي الوقت ،حديثه لين وبسيط يدخل القلب بلا أذن ،حتى تماهيت مع الاحداث ،وتوحدت مع عالمها المحبب ،بعض الاحيان أجد نفسي مندفعا احاول مقاطعته عن حدث فاتني فهمه ،يبتسم وهو في قمة نشوة الحكي ،ويكمل حتى ينتصف الليل ،عندها يتوقف عن الكلام المباح بعد أشارة من زوجته تعلمه ،بان الوقت حان للفراش ،وقد اكملت ترتيبات هذه الليلة ، وتريد ان تكمل السهرة على سريرها وتغويه بفستانها القرمزي المتهدل ،يتوقف جهاد بأداء تمثيلي بارع ،ويقول ياسادة لنا بقية سنكملها الاسبوع القادم ،عندها فقط أحسست بالوجوم وقد أصابني للحظات ،ووجدت نفسي أسرح بعيدا عن الجميع ،أفكر في مايعانيه هذا الرجل من سيدة قاسية ،وعن غواية شهرزاد لشهريار وغواية عزيزة لجهاد ،ياترى من روض من وجعل الامور تنقلب ،جهاد هنا هو من يقص الحكايات ،طول هذه السنوات معها وبلا تذمر ،قطعت تلك المقارنة غير المجدية ،بعد ان اغلق القبر بابه عليهما ، واشتد عود حفيدهما وأصبح حكاء ماهرا، يجيد الحكي بمتعة تفوق جده ،لكننا لم نسمعه ربما أننا في زمن تغير تماما، واصبح الكلام لاطائل منه ، والناس لا وقت عندها ولاتحبذ سماع الاخرين ..
****************
بقلمي/ عقيل هاشم
العراق

تعليقات
إرسال تعليق