المقعد الفارغ ..
🌀🌀🌀🌀
في المقهى الصغير على قارعة الطريق،
كان الجميع يعرفه دون أن يعرف اسمه.
يأتي كل مساء في الموعد نفسه، يجلس إلى الطاولة القريبة من الزجاج، يخلع معطفه ببطء، يطلب قهوته السوداء بلا سكر، ويضع أمامه كرسيًا فارغًا، كأنه يحجز مكانًا لروح لا تُرى.
مرّت أعوام.
تغيّرت الوجوه، تغيّرت الطاولات، حتى لون الجدران تبدّل، وتعاقبت النادلات… لكنه ظل كما هو، بنفس النظرة المعلّقة على الباب، وبنفس الحركة الصغيرة التي يمرّر بها أصابعه حول فنجان القهوة كلما طال الانتظار، وبنفس المقعد الفارغ الذي لا يجلس عليه أحد.
كانت النادلة الجديدة تراقبه في صمت.
سألته يومًا بخجل:
— هل تنتظر أحدًا؟
رفع عينيه ببطء، ابتسم ابتسامة قصيرة مُتعبة، وقال:
— منذ زمن… أطول مما ينبغي.
لم يزد حرفًا.
لكنه كل ليلة كان يفتح دفترًا صغيرًا، يكتب سطورًا مرتعشة، ثم يغلقه بعناية، كأنه يخشى أن تهرب الكلمات. لم يكن يكتب للنشر، بل يكتب رسائل لامرأة وعدته بعودة “قريبة”.
قالت له يوم رحيلها:
“سأغيب أيامًا فقط، لا تقلق.”
لكن الأيام تمددت، صارت أسابيع، ثم شهورًا، ثم سنوات… وابتلعها الغياب كما يبتلع البحر أسماء الغرقى.
وفي مساء شتوي هادئ، جاء كعادته… لكنه بدا مختلفًا.
جلس، ولم يطلب قهوته.
ظل يحدّق في المقعد الفارغ طويلًا، ثم أخرج من جيبه وردة حمراء أنهكها البرد، وضعها عليه برفق، ومسح الكرسي بيده بحنان، كأنه يلمس كتفها للمرة الأخيرة.
اقتربت النادلة وهمست:
— هل ستأتي اليوم؟
تنفّس بعمق، وقال بصوت خافت يحمل وداع عمر:
— انتظرتها الحياة كلها… واليوم حان دوري للغياب.
نهض ببطء، ترك على الطاولة ثمن قهوة لم يشربها، وخرج دون أن يلتفت.
ولم يعد بعدها أبدًا.
في الأيام التالية، ظلّت النادلة تنظر إلى الطاولة نفسها.
تضع فنجان قهوة زائد بلا سبب،
وتترك كرسيًا فارغًا أمامها،
كأن العدوى انتقلت إليها.
وفي كل مساء، يتردّد السؤال ذاته في قلبها:
هل سيعود الرجل الذي كان ينتظر؟
أم ستعود المرأة التي لم تأتِ أبدًا؟
وبين السؤالين…
ظلّ المقعد الفارغ شاهدًا صامتًا
على حبٍ لم يمت،
بل تعب من الانتظار.
🌀🌀🌀🌀🌀🌀
بقلمي/ حنان فريد .

تعليقات
إرسال تعليق