وفاء من نوع فريد :*بقلم وألوان :*خالد سليمان
**************************************************
بعض القلوب تسكن فينا وتأوي إلينا فليتنا لا نردّها ونحتضنها ونأوي إليها ونؤويها ،
لي صديق حبيب مريض بالسرطان وقد بلغ مراحله الأخيرة معه ، اللهم اشف كل مسلم مريض يارب يارب يارب ، زرته يوما وكم كانت سعادته بي وسعادتي به ، كنّا أصدقاء مرحلة جامعية ، وانقطعت علاقتنا وأخبارنا عن دون قصد ، فأنا التهمتني الغربة وهو طواه عنّي واقع الحياة ، وفي مساء شتوي بارد لمحني على شاطئ النيل فجرى نحوي ليسألني بأدب لو تكرّمت : هل أنت خالد سليمان ؟؟
فابتسمت وتأملته جيدا ، فوجدت ملامحه قد تغيّرت ، فقلت : نعم ، وحضرتك من ؟؟ فانطفأت ابتسامته ، وقال ألا تعرفني ؟؟
وهنا استيقظت ذاكرتي البصريّة ، ولكن من قبلها استيقظت ذاكرتي السمعيّة ، ولا سيّما وهو يذكرني بموقف باسم لم أقصده ، ولكنه كان هديّة من الله لي لأزيل كآبتي ، عندما كنّا في مطعم فاخر ، وأحضر لنا صاحب المطعم دجاجة مشوية نحيفة ، فلما وضعها أمامي قلت له بابتسامة مباشرة : لو تكرمت لا نريد دجاجة مستعملا ومأكولا من قبل ، فضحك الجميع ، وكرر صديقي المقطع مرة أخرى ، فتذكرت صاحب الصوت على الفور ، واحتضنته طويلا وهو يباعد بيني وبينه ويقول : من فضلك سلّم عليّ دون احتضان ... فقلت ولم ؟ : قال : أنا مريض بالمرض الخبيث ، وهنا ضممته لقلبي طويلا وقلت : شفاك الله وعافاك ، وظل يحكي لي مراحل العلاج باستفاضة ويداي محتضنتان يديه .
بعد لحظات حضرت زوجته وأطفاله ، لقد كانوا في حديقة الطفل يلعبون ، فقررت الفراق لموعد آخر ، وقال لا : أرجوك لا تحرمني من لحظاتك الجميلة ، واجعل لي نصيبا من وقتك ، فالعمر قد اقترب من نهايته ، فوعدته بزيارة في القريب العاجل .
ومضى كلّ منا لحال سبيله .
وزرته مرات ومرّات ، وكل زيارة يختمها بقوله : امكث معي قليلا ، انتظر ، ولما يجدني مصرّا على النزول يقول بابتسامة حزينة : سأنتظرك وتتسع ابتسامته ، وهو يقول : سأنتظرك وستزورني ، فأبتسم قائلا بهمس : سأزورك .
والليلة بعد صلاة العشاء جال بخاطري أن أزوره ، ولا سيّما ، وأنا لا أنسى قوله لي : لا تتصل بي ، زرني في أي وقت رجاء ، والليلة قررت زيارته وأثناء دخولي لمنزله قابلتني سيدة وقور ، فانتظرت حتى تنزل من سلّم البيت الطويل ، ويبدو أنها تأملتني ، وعرفتني بينما كنت مشغولا بزخارف وسيمة على جدران منزله ، ولما اقتربت مني قالت : السلام عليكم ، بينما كنت انطلقت لصعود السلّم بسرعتي المعهودة ، فنادتني : أستاذ خالد ، هل من الممكن دقيقة ؟؟ فاقتربت ، ولكن من هذه ؟
وعرفتني بنفسها ، إنها نوال زوجة صديقي الأولى التي انفصل عنها من سنوات ، فتذكرتها قائلا : أهلا بك ، فقالت بحزن ، هل حالته خطيرة إلى هذا الحد ؟ شفاه الله وعافاه ، من فضلك كن دائما معه ، وربنا يتولاه برحمته ، لم أتمكن من قول شيء سوى إن شاء الله .
واهتز قلبي لمشهد انسحابها أمامي قائلة : من فضلك أبلغه سلامي ، السلام عليكم .
منحتني كلماتها أجنحة ؛ لأطير أطير على درجات السلّم ، وكأني أركب بساط الريح ، وطرقت الباب بدقّاتي المعروفة ، ففتحت الباب ابنة صديقي التي قالت : أبي في انتظارك ولا سيّما ورائحة القهوة تحتضنني وتحملني إلى حجرته ، وبعد السلام والتحية قلت له : سبحان الله والله فيها الخير ، فقال : عمن تتحدث ؟
فقلت عن الضيفة الكريمة التي كانت هنا .
فقال : لم يزرني أحد .
فقلت : نوال ، أستاذة نوال ،
فقال مدهوشا : من نوال ؟ ، أستاذ خالد ، هل أنت في وعيك ؟
فقلت لقد التقيتها في مدخل البيت .
فوقف وقال : نوال لم أرها من خمس عشرة سنة .
فقلت : والله التقيتها ، وقد أبلغتني أن أسلّم عليك وأوصتني بك خيرا ،
فنادى ابنته وزوجته ، وقال : هل سأل أحد عليّ ؟
فقالت زوجته وهي واجمة صامتة : نوال زارتك من نصف ساعة أو أقل .
فوقف حزينا منكسرا : لماذا لم تأذني لها بالزيارة ؟؟
فقالت : أبلغتها بحالتك وأنّك نائم .
وهنا ، أدركت من ملامحه وحزنه وتجاعيد برزت فجأة ، وكلمات خرجت بغير حروف ، واقترب من الشبّاك ، ويكشف الستائر ويقول : هل من الممكن أن تدركها ؟؟
فقلت : لا أعتقد ، ربما تكون ركبت سيارة .
فقال : هل تعرف عنوانها أو رقم هاتفها ؟
فقلت : لا والله .
فاقترب من وسادته ؛ ليضعها على وجهه ، وهو يبكي في صمت ، وهو يردّد : فيك الخير يا نوال ، فيك الخير يا نوال ،
يارب أشوفها تاني قبل أن أموت .
واقتربت منه ، وقلت : ليتني ما زرتك الليلة حتى لا أرى دموعك .
وعاجلني قائلا : لماذا لم تأخذ رقمها أو عنوانها .
كان أمنية حياتي أقول لها كلمة واحدة : سامحيني ، وأنا سامحتها عن كل ما جرى منها ومن أهلها نحوي .
وحملني أمانة أن أقول لها لو التقيتها أن تسامحه وتدعو له بالرحمة .
موقف عابر فرض نفسه على ذاكرتي وقلبي وخاصة وأنا أعشق الوفاء والأوفياء ، وبينما كنت أودعه ، همس في أذني : هل من الممكن أن تراها ؟؟ فقلت له : ربما في لقاء آخر ، فقال : أنت أطول عمرا منّي ، لا تنس أن تخبرها : شكري وتقديري لمجرد التفكير في زيارتي فما بالك بدخولها بيتي ، وهنا طمأنته : إن شاء الله سأخبرها وستزورك مرة أخرى وأخرى .
فقال : الأمل في الله كبير ، يارب أشوفها يارب .
وخرجت من عنده وقلبي مشحون بالانكسار ، فقد كنت أريد أن أزرع وردة في بستان لحظاته ، وليس شوكة غرستها دون قصد منّي .
تعليقات
إرسال تعليق