آباء وابناء ...بقلم المبدع/عبدالله عبده

............. (آباء وأبناء)...............

استعصى عليه النوم بعد صلاة الفجر،جلس في شرفة منزله يتأمل أصابع الفجر وهي تمتد لتبدد ظلمة الليل،كوكب الزهرة لازال يلمع في الأفق،تذكر كيف كانوا يطلقون عليه في قريته وهو صغير"نجمة الفجر"حيث كان يبزغ قبل صلاة الفجر بثلاثة أرباع الساعة،آه...كم كانت جميلة تلك الأيام،يكفي أن تتطلع إلى السماء ليلا فتحدد الوقت.
أطلت الذكريات من رأسه تذكره بما ماضى وانقضى،فها هو على أعتاب عامه الحادي والسبعين،وقطار الذكريات يأبى إلا أن يعود القهقري،استرجع زواجه وحيدا بعد أن تنكر له الأقربون،وسفره مع شريكة.عمره في بلاد الغربة لأكثر من عشرين عاما،وإنجابهما لمجموعة من الأبناء،بذلا في تربيتهما الغالي والنفيس،وقبل ذلك شلال من الحب والعناية لا يتوقف تدفقه،منذ أن كانوا قطعة لحم لا حول لها ولا قوة،حتى اشتدت أعوادهم،وصحت أجسادهم،ونمت عقولهم،واستحوزوا
على كليات القمة،وتخرجوا الواحد تلو الآخر،وتزوجوا،وابتنوا أعشاشا جديدة،وبدأ الحلم بالراحة يداعب خيال الأبوين.
كان الأب يردد دائما بيت عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة...
وأحسوا قراح الماء والماء بارد
لكن أي راحة؟ فلقد انتهت معركة الأبوين بالفوز المبين،لكن المعارك تخلف جراحا،فلقد وهن العظم،واشتعل الرأس شيبا
وتسربت الصحة كما يتسرب الماء من بين الأصابع،فلا يأتي شباب إلا على أنقاض شباب،ظن الأبوان أن الراحة قادمة 
وأنهما سيتفرغان لعبادة الرب كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه،وأنهما سيروحان عن نفسيهمابين الحين والآخرعوضا
عن رحلة الحياة المضنية،ولكن هيهات،فالراحة ليست لهما،فقد أفرخ الأبناء أحفادا،ولم يجدوا حلا للأحفاد غير جديهما،على الجد أن يستقبل الأحفاد من مدارسهم، ويستقدم الصغار من الحضانة،ويذهب بالكبار إلى النادي،ويتسوق لهذا،ويقضي احتياجات ذاك،وعلى الجدة أن ترعى الصغار بجانب رعايتها لأمراضها،فللجميع حقوق عداهما،وعليهما القيام بالخدمة حتى الرمق الأخير.
وجد الجدان نفسيهما كمن يدور في طاحونه رغما عنه،لا وقت للراحة،ولا يسمح له بالتوقف حتى يسقط على ركبتيه
مسلما الروح إلى بارئها...أهذا هو بر الوالين؟
ظلت الذكريات تموج في عقله كشلال هادر لا يكف عن التدفق، فاتكأ على أحزانه،وانهمر الدمع من عينيه،أفاق على رنين هاتفه:
---أبي...أرجو أن تشتري لي من السوق....،....،....، فلا وقت لدي.
سمع بعدها رنين تلفون المنزل:
---أبي ...تليفونك مشغول..لدي عمل ليلي..أرجو أن تستقبل أولادي من المدارس،وتأتي بابني من الحضانة.
قام يتوكأ على مرضه، خيل إليه أن جرس الهاتف يعاود الرنين..رفعه على أذنه،فتناهى إلى سمعة صوت من أعماقه:

---لا تمت الآن...فما زلنا في حاجة لخادم....!!!

( عبدالله عبده)

تعليقات